فصل: فصل في فضل السورة الكريمة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم




.سورة الحديد:

.فصول مهمة تتعلق بالسورة الكريمة:

.فصل في فضل السورة الكريمة:

قال مجد الدين الفيروزابادي:
فضل السّورة:
فيه الحديث الضعيف عن أُبي: «مَن قرأ سورة الحديد كُتِب من الذين آمنوا بالله ورسوله»، وحديث علي: «يا علي من قرأها شرّكه الله في ثواب المجاهدين، ولا يغلُّه بأَغلال النَّار، وله بكل آية قرأها مثلُ ثوابِ القائم بما أَمر الله». اهـ.

.فصل في مقصود السورة الكريمة:

.قال البقاعي:

سورة الحديد مقصودها بيان أن عموم الرسالة لعموم الإلهية بالبعث إلى الأزواج الثلاثة المذكورة في السورتين الماضيتين من الثقلين تحقيقا لأنه سبحانه مختص بجميع صفات الكمال تحقيقا لتنزهه عن كل شائبة نقص المبدوء به هذه السورة المختوم به ما قبلها الراد لقولهم: {أئنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون} [الواقعة: 47- 48] المقتضي لجهاد من يحتاج إلى الجهاد ممن عصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف وما ترتب عليه من النفقة ردا لهم عن النقائص الجسمانية وإعلاء إلى الكلمات الروحانية التي دعا إليها الكتاب حذرا من سواء الحساب يوم التجلي للفصل بين العباد بالعدل ليدخل أهل الكتاب وغيرهم في الدين طوعا أو كرها، ويعلم أهل الكتاب الذين كانوا يقولون: ليس أحد أفضل منه، فضيلة هذا الرسول صلى الله عليه وسلم على جميع من تقدمه من الرسل عليهم الصلاة والسلام بعموم رسالته وشمول خلافته، وانتشار دعوته وكثرة أمته تحقيقا لأنه لا حد لفائض رحمته سبحانه لتكون هذه السورة التي هي آخر النصف الأول والتي بعدها التي هي أول النصف الثاني من حيث العدد غاية للمقصود من السورة التي هي أوله عند الالتفات والرد كما كانت السورة التي غاية النصف الأول يفي المقدار وهي الإسراء، وكذا السورة التي هي أول النصف الثاني وهي الكهف كاشفتين لمقصد الأولى فيما دعت إليه من الهداية وشدت إليه من الإنذار، على ذلك دل اسمها الحديد يتأمل آياته وتدبر سر ما ذكر فيه وغاياته، أسند صاحب الفردوس عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تحتجموا يوم الثلاثاء فإن سورة الحديد أنزلت يوم الثلاثاء». اهـ.

.قال مجد الدين الفيروزابادي:

.بصيرة في: {سبح} الحديد:

السّورة مدنية، وقيل: مكِّيّة.
وآياتها تسع وعشرون في عدّ الكوفة والبصرة، وثمان في عدّ الباقين.
وكلماتها خمسمائة وأَربع وأَربعون.
وحروفها أَلفان وأَربعمائة وستّ وسبعون.
المختلف فيها آيتان: {مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ} و{الإِنجِيلَ} مجموع فواصل آياتها (من بزَّ ردّ) على الزاءِ {إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} وعلى الدّال {هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} سمّيت سورة الحديد لقوله تعالى فيها: {وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ}.

.معظم مقصود السّورة:

الإِشارة إِلى تسبيح جملة المخلوقين والمخلوقات في الأَرض والسّموات، وتنزيهُ الحقّ تعالى في الذَّات والصفات، وأَمر المؤمنين بإِنفاق النفقات والصّدقات، وذكر حيرة المنافقين في صحراءِ العَرَصَات وبيان خِسّة الدّنيا وعزّ الجَنَّات، وتسلية الخَلْق عند هجوم النكبات والمصيبات، في قوله: {وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ} بهذه الآيات.
والسّورة محكمة: ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.

.فصل في متشابهات السورة الكريمة:

.قال ابن جماعة:

سورة الحديد:
427- مسألة:
قوله تعالى هنا: {سَبَّحَ لِلَّهِ} وفى الحشر والصف كذلك بصيغة الماضي وفى الجمعة والتغابن: {يُسَبِّحُ} بصيغة المضارع؟.
جوابه:
لما أخبر أولا بأنه سبح له ما في السموات وما في الأرض أخبر أن ذلك التسبيح دائم لا ينقطع، وبأنه باق ببقائه، دائم بدوام صفاته الموجبات لتسبيحه.
428- مسألة:
قوله تعالى هنا: {مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}.
وفى بواقيها: {وَمَا فِي الْأَرْضِ} بزيادة {مَا}.
جوابه:
لعل ذلك لتشاكل ما بعده من الآيات الثلاث وهو قوله تعالى: {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ}.
429 ـ مسألة:
قوله تعالى: {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ثانيا. ما فائدة ذلك؟.
جوابه:
أن الأول: للدلالة له على قدرته بخلقها على البعث، ولذلك قال تعالى: {يُحْيِي وَيُمِيتُ}، وختمه بقوله تعالى: {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.
والثاني: للدلالة على أن مصير الأمور كلها إليه، وأنه المجازى عليها على ما أحاط علمه من أحوال السموات والأرض، وأعمال الخلق، ولذلك قال بعد ذلك: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.
وختمه بقوله تعالى: {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ}.
430- مسألة:
قوله تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌا}.
تقدم في الأعراف.
31،- مسألة:
قوله تعالى: {ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا} وفى الزمر: {ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا} بإضافته إليه تعالى؟.
جوابه:
لما افتتح في الزمر نسبة إنزال الماء وسلوكه ينابيع في الأرض وإخراج ما ينبت به إليه، ناسب ذلك نسبة جعله حطاما إليه. وههنا لم ينسبه إليه، بل قال تعالى: {كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ} فنسب الأفعال كلها إلى الزرع. اهـ.

.قال مجد الدين الفيروزابادي:

المتشابهات:
قوله تعالى: {سَبَّحَ للَّهِ} وكذلك في الحَشْر، والصَّفِّ، ثمّ {يُسَبِّحُ} في الجمعة والتَّغابن.
هذه كلمة استأْثرت الله بها، فبدأَ بالمصدر في بن إِسرائيل؛ لأَنه الأَصل، ثمّ بالماضى؛ لأَنَّه أَسبق الزَّمانين، ثمَّ بالمستقبل، ثم بالأَمر في سورة الأَعلى؛ استيعابًا لهذه الكلمة مِن جميع جهاتها.
وهي أَربع: المصدر، والماضي، والمستقبل، والأَمر للمخاطب.
قوله: {مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} وفى السّور الخمس {مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} إِعادة (ما) هو الأَصل.
وخُصّت هذه السّورة بالحذف؛ موافقة لما بعدها.
وهو {خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} وبعدها {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}، لأَنَّ التَّقدير في هذه السّورة: سبَح لله خَلْق السموات والأَرض.
ولذلك قال في آخر الحشر بعد قوله: {اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ} {يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي خَلْقُها.
قوله: {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} وبعده {لَهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} ليس بتكرار؛ لأَنَّ الأُولى في الدّنيا؛ لقوله: {يُحْيِي وَيُمِيتُ} والثَّانية في العقبى؛ لقوله: {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ}.
قوله: {ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} بزيادة {هُوَ} لأَن {بُشْرَاكُمُ} مبتدأ {جَنَّاتٌ} خبره {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} صفة لها {خَالِدِينَ فِيهَا} حال {ذَلِكَ} إِشارة إِلى ما قبله.
و{هُوَ} تنبيه على عظم شأْن المذكور {الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} خبره.
قوله: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ} ابتداء كلام {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا} عَطْف عليه.
{ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا} سبق.
قوله: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ}، وفى التَّغابن {مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ} فصل في هذه السّورة، وأَجمل هناك؛ موافقة لما قبلها في هذه السّورة، فإِنَّه فصّل أَحوال الدّنيا والآخرة فيها، بقوله: {اعْلَمُواْ أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} الآية.

.فصل في التعريف بالسورة الكريمة:

.قال ابن عاشور:

سورة الحديد:
هذه السورة تسمى من عهد الصحابة (سورة الحديد)، فقد وقع في حديث إسلام عمر بن الخطاب عند الطبراني والبزار أن عمر دخل على أخته قبل أن يسلم فإذا صحيفة فيها أولُ سورة الحديد فقرأه حتى بلغ {آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه} فأسلم، وكذلك سُميت في المصاحف وفي كتب السنة، لوقوع لفظ الحديد فيها في قوله تعالى: {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد} (الحديد: 25).
وهذا اللفظ وإن ذُكر في سورة الكهف في قوله تعالى: {آتوني زبر الحديد} وهي سابقة في النزول على سورة الحديد على المختار، فلم تسم به لأنها سميت باسم الكهف للاعتناء بقصة أهل الكهف، ولأن الحديد الذي ذكر هنا مراد به حديد السلاح من سيوف ودروع وخُوذ، تنويهًا به إذ هو أثر من آثار حكمة الله في خلق مادته وإلهام الناس صنعه لتحصل به منافع لتأييد الدين ودفاع المعتدين كما قال تعالى: {فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب} (الحديد: 25).
وفي كون هذه السورة مدنية أو مكية اختلاف قوي لم يختلَف مثلَه في غيرها، فقال الجمهور: مدنية وحَكى ابن عطية عن النقاش: أن ذلك إجماع المفسرين، وقد قيل: إن صدرها مكي لما رواه مسلم في (صحيحه) والنسائي وابنُ ماجه عن عبد الله بن مسعود أنه قال: (ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية) {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} إلى قوله: {وكثير منهم فاسقون} (الحديد: 16) إلا أربع سنين عبد الله بن مسعود من أول الناس إسلامًا، فتكون هذه الآية مكية.
وهذا يعارضه ما رواه ابن مردويه عن أنس وابننِ عباس: أن نزول هذه الآية بعد ثلاث عشرة سنة أو أربع عشرة سنة من ابتداء نزول القرآن، فيصار إلى الجمع بين الروايتين أو الترجيح، ورواية مسلم وغيره عن ابن مسعود أصح سندًا، وكلامُ ابن مسعود يرجّح على ما رُوي عن أنس وابن عباس لأنه أقدم إسلامًا وأعلم بنزول القرآن، وقد علمت آنفًا أن صدر هذه السورة كان مقروءًا قبل إسلام عمر بن الخطاب قال ابن عطية (يشبه صدرها أن يكون مكيًا والله أعلم، ولا خلاف أن فيها قرآنًا مدنيًا). اهـ.

.قال سيد قطب:

تقديم لسورة الحديد:
هذه السورة بجملتها دعوة للجماعة الإسلامية كي تحقق في ذاتها حقيقة إيمانها هذه الحقيقة التي تخلص بها النفوس لدعوة الله؛ فلا تضن عليها بشيء، ولا تحتجز دونها شيئا.. لا الأرواح ولا الأموال؛ ولا خلجات القلوب ولا ذوات الصدور.. وهي الحقيقة التي تستحيل بها النفوس ربانية بينما تعيش على الأرض موازينها هي موازين الله، والقيم التي تعتز بها وتسابق إليها هي القيم التي تثقل في هذه الموازين كما أنها هي الحقيقة التي تشعر القلوب بحقيقة الله، فتخشع لذكره، وترجف وتفر من كل عائق وكل جاذب يعوقها عن الفرار إليه.
وعلى أساس هذه الحقيقة الكبيرة تدعو السورة الجماعة الإسلامية إلى البذل في سبيل الله بذل النفس وبذل المال:{آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور وإن الله بكم لرؤوف رحيم وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير}.
وعلى أساس هذه الحقيقة الكبيرة كذلك تدعو الجماعة الإسلامية إلى الخشوع لذكر الله وللحق الذي أنزله الله ليجيء البذل ثمرة لهذا الخشوع المنبعث من الحقيقة الإيمانية الأولى: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون}..
وكذلك تضع قيم الدنيا وقيم الآخرة في ميزان الحق؛ وتدعو الجماعة الإسلامية لاختيار الكفة الراجحة، والسباق إلى القيمة الباقية:{اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم}..
وظاهر من سياق السورة- إلى جانب عمومية الدعوة الدائمة إلى تلك الحقيقة- أنها كانت تعالج كذلك حالة واقعة في الجماعة الإسلامية عند نزول هذه السورة في المجتمع المدني في فترة تمتد من العام الرابع الهجري إلى ما بعد فتح مكة.
فإلى جانب السابقين من المهاجرين والأنصار، الذين ضربوا أروع مثال عرفته البشرية، في تحقيق حقيقة الإيمان في نفوسهم، وفي البذل والتضحية بأرواحهم وأموالهم، في خلوص نادر، وتجرد كامل، وانطلاقمن أوهاق الأرض وجوانب الغريزة ومعوقات الطريق إلى الله...
إلى جانب هذه الفئة الممتازة الفذة، كانت هناك- في الجماعة الإسلامية- فئة أخرى ليست في هذا المستوى الإيماني الخالص الرفيع- وبخاصة بعد الفتح عندما ظهر الإسلام، ودخل فيه الناس أفواجا، وكان من بينهم من لم يدركوا بعد حقيقة الإيمان الكبيرة، ولم يعيشوا بها ولها كما عاشت تلك الفئة السابقة الخالصة المخلصة لله.